التخطي إلى المحتوى الرئيسي



الواقعيّة الساذجة (Naïve Realism)
هل سمعت يوما بذلك المصطلح ؟
لتقريب المعني قليلا 
الاعتقاد بأن ما تظنّه واقعاً وحقيقة هو ما عليه الواقع بالفعل. وأنك تنظر إلى الواقع بموضوعية ودون تحيّز، وأن الأمور واضحة وضوح الشمس في صفحة السماء، وكلّ شخص عاقلٍ لا بدّ يرى ما ترى. أما من ينظر للواقع نظرة مغايرة فهم بنظرك إما جاهلون أو متقاعسون أو غير عقلانيين أو منحازون إلى غير ذلك من المسميّات، بتعريفٍ آخر هذه الحقيقة يتم تمثيلها بأن البشر غالبا ما يميلون إلى إدراك وقائع وأحداث بعينها من أجل البرهنة على صحة قناعات أو منظومات معرفية بعينها، في مقابل إسقاط الوقائع الأخرى التي تتصادم مع هذه المنظومة على الرغم من أنها يمكن أن تكون أكثر وفرة. سُميّت بالساذجة لفرط الثقة بالحس.
ما نفعله كبشر حين نظن أن ما نراه وندركه هو الحقيقة بعينها وليس نسختنا من إدراك ما يحيط بنا، ووصفنا لمن يختلفون عنا في إدراكهم للأمور بالكسل الفكري، أو بالجهل أو بعدم التفكير، وظننا بأن جميع البشر العقلانيين المنطقيين سيتفقون معنا، هو ما وصفه باحثوا علم النفس بالواقعية الساذجة
العقل البشري ليس قاصراً او ساذجاً، بالعكس هو الماكينة الأقوى و الأحدث و الأسرع على كوكب الأرض.
و جزء من تطور العقل البشري، هو كونه ماكينة قادرة على التعرف على الأنماط فور رؤيتها طبقاً لمخزونه المعرفي، ألم ترى من قبل وجهاً في مقدمة سيارة أو كلمات في السحاب أو على قطعاً من الخضار! يفسر العقل ذلك التشويش في سحابة تمر من فوقه كوجه مريم العذراء، يرى تشويشاً فيبحث عن أقرب نمط مشابه. و هذه القدرة في العقل البشري هى التي تجعلنا قادرين بشكل سريع جداً على قراءة اللغة و تفسير كلماتها، فعقلك يعرف تلك الكلمات، و فور رؤيتها يفسرها بمعناها ويضعها في ترتيبها ويكون معنى متكامل. بل الأدهى من ذلك قدرتنا على قراءة خط اليد المكتوب بجودة سيئة بدون صعوبة شديدة، و لتسأل العاملين بمجال البرمجيات والماكينات عن مقدار البرمجة والعمل المطلوب من الحاسوب لقراءة خط سيء مكتوب مثلاً كعنوان على ظرف بريدي، كمية هائلة من البرمجة والبيانات يقوم بها العقل في أجزاء من الثانية نتيجة لكونه آلة تكتشف الأنماط بسهولة. من الأمثلة المشهورة لذلك ما فعله الباحث ستيفن بينكر حين استبدل الحروف المتحركة في بعض العبارات الإنجليزية بالحرف X و استطاع البشر قراءتها بقليل من الجهد، حيث ملاْ العقل الأماكن الفارغة بالحروف الصحيحة بمجرد مشابهة الكملة التي أمامه بمخزونه المسبق عن أنماط كلمات تلك اللغة (نرى ذلك المثال كثيراً على مواقع التواصل الإجتماعى حين يكتب أحدهم جملة ببعض الحروف الخاطئة ومع ذك نقرأها بشكل صحيح).
و لكن نتيجة لذلك التطور العقلى لدى البشر فإن تلك العمليات الأوتوماتيكية التي تقوم بها عقولنا أحياناً تنتج بعض الأخطاء، و في عصر الإنفجار المعلوماتى الذي نعيشه و الذي تغوص فيه المعلومة الصحيحة و المعطى الواضح وسط بحور من الغموض و التشويش و اللغط فإن إحتمالية حدوث تلك الأخطاء تزداد. لأن حينها يبدأ العقل في إستحضار توقعاته المسبقة، و التي ربما تكون خاطئة و غير دقيقة، لينتج منها أنماطاً معينة يفسر على أساسها ما يراه و يسمعه.
و حينها، ينبغي التدخل البشرى اليدوي في تلك العملية لمنع ذلك الخطأ، بتحييد التوقعات والتحيزات المسبقة ووضعها خارج الحسابات قدر الإمكان، حتى لا تتدخل في عملية إدراك المعطيات المشوشة أو المعلومات الغير مكتملة، و ينبني استنتاجات و آراء على معطيات مفسرة بشكل خاطىء متحيز، يفسره كل فريق و كل طرف بل و كل فرد بناءاً على توقعه المسبق، فتنتج ألف حقيقة و ألف استنتاج لنفس المعطى! و يتزمت كل طرف و يؤكد بضراوة أن ما يراه هو الصحيح، مع أن إدراكنا جميعاً يتلوث بما نتوقعه مسبقاً. و لا يدرك أينا أن عقولنا قد قامت بأي نوع من التفسير لذلك المعطى ولا يشعر بحدوث تلك العملية، ولا ندرك أيضاً أن بجانب استنتاجنا الشخصي وإدراكنا لذلك المعطى، فهناك احتمالات أخرى كثيرة ربما تكون أكثر صحة، و هذا ما يقرره إحدى مبادىء علم النفس، ما أسماه الباحثون بالخطأ الأساسي في الإدراك the fundamental cognitive error.
ما مصدر تلك التوقعات المسبقة؟ حسناً، فإن مصدرها هو خلفيتك المعرفية، و التي ترثها من التعليم والإعلام والتربية المنزلية والمجتمع والثقافة والديانة، و كل مصدر للمعلومات يتوفر لديك طوال حياتك. و في بيئة من التعليم الردىء والإعلام الموجه والثقافة الضحلة، ما مقدار التلف والأخطاء في خلفيتنا المعرفية وتوقعاتنا المسبقة؟!
ما نفعله كبشر حين نظن أن ما نراه و ندركه هو الحقيقة بعينها وليس نسختنا من إدراك ما يحيط بنا، ووصفنا لمن يختلفون عنا فى إدراكهم للأمور بالكسل الفكري، أو بالجهل أو بعدم التفكير، و ظننا بأن جميع البشر العقلانيين المنطقيين سيتفقون معنا، هو ما وصفه باحثوا علم النفس بالواقعية الساذجة او naiive realism، و انطلقوا منه للبحث عن الأخطاء الشائعة في التفكير و الإدراك و التحيزات المختلفة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هذه بعض مصادر للاطلاع علي نظريه التطور تتضمن كتب ووثائقيات عربيه اغلبها   1-لماذا النشوء والتطور حقيقة ترجمه لؤي عشري   لكن من رأي الترجمه الثانيه ادق   لينك   https://web.facebook.com/download/preview/1367511716643122…   2- السمكة داخلك للعظيم نيل شوبن مكتشف التيتاليك   لينك :   http://mybook4u.com/…/4526-%D8%AA%D8%AD%D9%85%D9%8A%D9%84-%… 3- اعظم استعراض فوق الارض ج1   لينك :   http://www.albookar.com/2017/03/blog-post_57.html… 4- - اعظم استعراض فوق الارض ج2   لينك   https://www.kutubpdfbook.com/…/%D8%A3%D8%B9%D8%B8%D9%85-%D8… 5- سحر الواقع لينك :   http://mybook4u.com/…/4254-%D8%AA%D8%AD%D9%85%D9%8A%D9%84-%… 6- صانع الساعات الاعمى لينك   http://arabatheistbroadcasting.com/books/122059012772… 7- الجين الاناني لينك   http://arabatheistbroadcasting.com/books/111629075014… 8- النشوء في الكون - ريتشارد دوكينز روابط المصدر: السلسلة كاملة (غير مترجمة):   https://goo.gl/tfsPX4 الحلقة الاولى (مترجمة):...
تطور الأنواع على الرغم من أن الحياة على الأرض تشترك في العديد من أوجه التشابه الوراثية ، إلا أن بعض الكائنات الحية فقط تجمع المعلومات الوراثية عن طريق التكاثر الجنسي ولها ذرية يمكنها التكاثر بنجاح. يسمي العلماء مثل هذه الكائنات العضوية في نفس النوع البيولوجي. الأنواع والقدرة على التكاثر النوع هو مجموعة من الكائنات الفردية التي تتكاثر وتنتج ذرية خصبة قابلة للحياة. وفقًا لهذا التعريف ، يتم تمييز نوع واحد من نوع آخر ، في الطبيعة ، حيث لا يمكن للنضوج بين الأفراد من كل نوع إنتاج ذرية خصبة. يشترك أعضاء من نفس النوع في كل من الخصائص الخارجية والداخلية ، والتي تنشأ من الحمض النووي الخاص بهم. العلاقة الأوثق التي يتقاسمها كائنان ، وكلما زاد عدد الدنا المشترك بينهما ، تمامًا مثل الأشخاص وعائلاتهم. من المحتمل أن يشبه الحمض النووي للناس الحمض النووي لأبيهم أو الحمض النووي لأبيهم أو الحمض النووي لأبن عمهم أو الحمض النووي للجد. الكائنات من نفس النوع لديها أعلى مستوى من محاذاة الحمض النووي ، وبالتالي تشترك في الخصائص والسلوكيات التي تؤدي إلى التكاثر الناجح. يمكن أن يكون مظهر الأنواع مضللاً...
اللغة والدماغ * نعوم تشومسكي ترجمة: جوهر عبد المولى * قد   تبدو الطريقة المثلى للتعامل مع موضوع اللغة والدماغ هي أن نستعرض المبادئ الأساسية لكلِّ من اللغة والدماغ من أجل أن نوضح كيفية التوحيد فيما بينها. يمكننا القيام بذلك بأن نتبع، مثلاً، نموذج الكيمياء والفيزياء الذي ظهر منذ 65 عامًا، أو النموذج الذي ظهر بعده ببضع سنوات حول دمج أجزاء علم الأحياء (البيولوجيا) المتكاملة ضمن كيانٍ مركَّبٍ واحد. لكنني لن أسلك ذلك المنحى الآن لأنني ببساطة لا أمتلك الكم الكافي من المعلومات التي تمكنني من التعامل مع هذا الموضوع بالشكل المطلوب. يمكن أن أذكر نقطتين في هذا الصدد - وإن كان ما سأقوله يشوبه بعض الشك. النقطة الأولى هي أنَّ الفهم الحالي لهذه القضية يفتقر لما هو لازم من أجل وضع حجر الأساس لعملية التوحيد بين العلوم التي تدرس الدماغ والقدرات الذهنية العليا التي تعتبر اللغة من ضمنها. النقطة الثانية هي أن هناك الكثير من المفاجآت التي تنتظرنا في محاولتنا للوصول إلى ما قد يبدو هدفًا صعب المنال، وذلك بحد ذاته أمرٌ لا يجب اعتباره مفاجأةً إذا ما نظرنا إلى الأمثلة الكلاسيكية التي ذكرتها آنفًا عل...